أبي منصور الماتريدي

95

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والانتقاض ، أو أحكمت حتى لا يملك أحد التبديل والتغيير ، أو أحكمت عن أن يقع فيها الاختلاف . وقال بعضهم : أحكمت آياته بالفرائض ، وفصّلت بالثواب والعقاب . ثم آياتُهُ تحتمل وجوها : أحدها : العبر . والثاني : الحجج . والثالث : العلامة . ثم الآية كل كلمة في القرآن تمت فهي [ عبرة أو حجة ] « 1 » أو علامة لا تخلو عن أحد هذه الوجوه الثلاثة . وقوله - عزّ وجل - : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ : من عند حكيم عليم جاءت هذه الآيات . وقوله - عزّ وجل - : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي : من الله ينذر من ينذر ومن عنده يبشر من يبشر ؛ يبشر من اتبع وينذر من خالف . وقوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ في شهادة خلقتكم هو المستحق للعبادة ويحتمل أَلَّا تَعْبُدُوا ألّا توحدوا إلا الذي في شهادة خلقتكم وحدانيته . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ : إن كانت الآية في الكفار فيكون قوله : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي : أسلموا ثم توبوا إليه ، أي : ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأتونها ، وإن كان في المسلمين فهو ظاهر ، فيكون قوله : استغفروا وتوبوا واحدا . وقوله - عزّ وجل - : يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً أي : يمتعكم في الدنيا متاعا تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع ، وأمّا الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ما متعوا في الدنيا ؛ لأن تمتعهم في الدنيا للدنيا ، والمؤمن ما يتمتع في الدنيا يتمتع لأمر الآخرة والتزود لها « 2 » ،

--> ( 1 ) في ب : حجة أو عبرة . ( 2 ) قال المفسرون : يعيشكم عيشا في خفض ودعة وأمن وسعة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى حين الموت . فإن قيل : أليس أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » . وقال أيضا : « خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، فالأمثل فالأمثل » ، وقال تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ [ الزخرف : 33 ] ؛ فدلت هذه النصوص على أن نصيب المؤمن المطيع عدم الراحة في الدنيا ، فكيف الجمع بينهما ؟ فالجواب من وجوه : الأول : أن المعنى : لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القوة من الكفار . -